ابن قيم الجوزية

168

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

حسناته في عينه . وعظمت ذنوبه عنده . وكلما صغرت الحسنات في عينك كبرت عند اللّه . وكلما كبرت وعظمت في قلبك قلّت وصغرت عند اللّه . وسيئاتك بالعكس . ومن عرف اللّه وحقه وما ينبغي لعظمته من العبودية : تلاشت حسناته عنده . وصغرت جدا في عينه . وعلم أنها ليست مما ينجو بها من عذابه . وأن الذي يليق بعزته ، ويصلح له من العبودية : أمر آخر . وكلما استكثر منها استقلها واستصغرها . لأنه كلما استكثر منها فتحت له أبواب المعرفة باللّه والقرب منه . فشاهد قلبه من عظمته سبحانه وجلاله ما يستصغر معه جميع أعماله . ولو كانت أعمال الثقلين . وإذا كثرت في عينه وعظمت دل على أنه محجوب عن اللّه ، غير عارف به وبما ينبغي له . وبحسب هذه المعرفة ومعرفته بنفسه يستكثر ذنوبه . وتعظم في عينه . لمشاهدته الحق ومستحقه . وتقصيره في القيام به . وإيقاعه على الوجه اللائق الموافق لما يحبه الرب ويرضاه من كل وجه . إذا عرف هذا . فاستقلال العبد المعصية عين الجرأة على اللّه . وجهل بقدر من عصاه وبقدر حقه . وإنما كان مبارزة لأنه إذا استصغر المعصية واستقلها هان عليه أمرها . وخفت على قلبه . وذلك نوع مبارزة . وأما قوله « ومحض التزين بالحمية » أي بالمحاماة عن النفس ، وإظهار براءة ساحتها . لا سيما إن انضاف إلى ذلك مشاهدة الحقيقة ، والاحتجاج بالقدر . وقوله : وأي ذنب لي ، والمحرك لي غيري . والفاعل فيّ سواي ؟ وإنما أنا كالميت بين يدي الغاسل ؟ وما حيلة من ليس له حيلة . وما قدرة من ليس له قدرة ؟ ونحو هذا مما يتضمن الجرأة على اللّه ومبارزته ، والمحاماة عن النفس ، واستصغار ذنوبه ومعاصيه إذا أضافها إلى الحكم . فيسترسل إذا للقطيعة . وهي المقاطعة لربه . والانقطاع عنه . فيصير خصما للّه مع نفسه وشيطانه . وهذا حال المحتجين بالقدر على الذنوب . فإنهم خصماء اللّه عزّ وجلّ . وهم مع الشياطين والنفوس على اللّه . وهذا غاية البعد والطرد والانقطاع عن اللّه ؟ . فإن قلت : فكيف كانت توبة العامة من استكثار الطاعات ؟ وتوبة من هم أخص منهم . وأعلى درجة من استقلال المعصية ؟ وهلّا كان الأمر بالضد ؟ . قلت : الأوساط لما كانوا أشد طلبا لعيوب النفس والعمل ، وأكثر تفتيشا عليها : انكشف لهم من ذنوبهم ومعاصيهم ما لم ينكشف للعامة . إذ حرص العامة على الاستكثار من الطاعات . ولذلك كثرت في أعينهم . وحرص هؤلاء على تنقية أنفسهم من الآفات ، والتفتيش على عيوب الأعمال . فاستقلال السيئات آفة هؤلاء ، وقاطع طريقهم . واستكثار الحسنات وعظمها في قلوب أولئك آفتهم . وقاطع طريقهم . فذكر ما هو الأخص الأغلب على كل واحدة من الطائفتين . توبة الخواص من تضييع الوقت قال « وتوبة الخواص : من تضييع الوقت . فإنه يفضي إلى درك النقيصة . ويطفئ نور المراقبة . ويكدر عين الصحبة » . ليس مراده بتضييع الوقت : إضاعته في الاشتغال بمعصية أو لغو ، أو الإعراض عن واجبه وفرضه . فإنهم لو أضاعوه بهذا المعنى لم يكونوا من الخواص . بل هذه توبة العامة بعينها . و « الوقت » عند القوم : أخص منه في لغة العرب . حتى إن منهم من يقول « الوقت : هو الحق »